معجزة القرآن الكريم


القرآن الكريم، هو كلام الله المنزل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وهو معجزة الرسول الكبرى، التي جاءت تحديا لقومه، أصحاب البلاغة وأرباب البيان الذين جعلوا للكلام سوقا، يباع ويشترى كباقي السلع من أطعمة وأشربة، وأشهر أسواقهم ” سوق عكاظ ” الذي كانت تعقد فيها الندوات، وعلى رأسها محكمين من فحول اللغة، وكبار الشعراء، وكانت كل قبيلة تجهز نفسها لهذا اليوم المشهود، ففرحتهم ببزوغ شاعر تفوق فرحتهم بوجود فارس مغوار، فإن كان الأخير ينافح ويدافع عنهم في الشدائد، ويغير معهم على الأعداء، فالشاعر لسانهم الفصيح، الذي يبين للمنافسين، ويشرح عزهم وشرف نسبهم، ومجد حروبهم، وعظم أعمالهم.

يقول عمرو ابن كلثوم:

ونشرب إن وردنا الماء صفوا  **  ويشرب غيرنا كدرا وطينا

إذا بلغ الفطام  لنا صبي   ** تخر له الجبابرة ساجدينا

ويقول الفرزدق هاجيا:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم  **  إذا ما جمعتنا يا جري المجامع

ويرد جرير:

إنّ الذي سمك السماء بنى ** لنا بيتا دعائمه أعز وأطول

ومعجزات الرسل السابقين على النبي محمد صلى الله عليه وسلم معظمها معجزات حسية، تخاطب أناسا ماديين لا يعتقدون إلا ما يرون بأعينهم أو يسمعون بآذانهم.

قال تعالى { قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ } الآية (32) من سورة هود.

معجزة القرآن الكريم

تعريف المعجزة:

وتعرف المعجزة بأنها: ” أمر خارج على العادة يأتي على سبيل التحدي”، فلو كان أمرا عاديا ما كان معجزة، فكل نبي جاء بمعجزة على سبيل التحدي لقومه، ليثبت لهم صدق حجته وقوة تأييده من الله تعالى.

سيدنا موسى عليه السلام، كان قومه يتقنون السحر ويعتقدون في قوة تأثيره، لذلك كانت معجزته ( عصا موسى )، التي يلقها فتتحول إلى ثعبان ضخم يأكل عصيهم التي تحولت إلى ثعابين صغيرة، بتأثير سحرهم لأعين الناس، قالت تعالى { وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ *فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ }(117) سورة الأعراف، أو يضرب بالعصا الأرض فتتفجر الأرض عيونا { وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ * فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا } الآيات من سورة البقرة

المقصود: أن موسى عليه السلام تحداهم في جنس ما يتقنون، لذلك كانت معجزة العصا مؤثرة وذات أثر فاعل في نفوس من تحداهم. قال تعالى (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ)، الآيات من سورة الشعراء.  

تكرر الأمر مع سيدنا عيسى عليه السلام، فقد كان قومه ذائعو الصيت في مجال الطب، وماهرون في علاج الأمراض، لكن بعض الأمراض كحال كل عصر تظهر ويكون علاجها صعبا، أو يكاد يكون مستحيلا فتحداهم عيسى عليه السلام علانية فيما يتقنون ويبرعون.

 هل وصلتم لعلاج الشخص الأكمه؟(وهو: مَن ولد أعمى. أو من ولد مطموس العينين) ،  أو الأبرص ( وهو المصاب بداء البرص ، وهو تبقع أبيض في الجلد  يؤذي الجهاز العَصَبيّ)، الإجابة هي النفي بالتأكيد.

معجزة القرآن الكريم

وهناك أمر جلل، هو المصيبة الكبرى، لا علاج له، ولا برء منه ، ولا قدرة عليه، وهو ( الموت).

 هل تستطيعون بعلمكم وبكل مهاراتكم الطبية أن تحيوا ميتا ويرجع إلى الحياة مرة أخرى ؟ قال تعالى (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ) الآية ( 49) من سورة آل عمران.

فسيدنا عيسى عليه السلام لم ينسب الفعل لنفسه، وإنما إلى الله رب العالمين، الفاعل الحقيقي والمستحق للعبادة، مذعنا بوجوب التسليم والخضوع له والإيمان به.

شهادة وتحدي:

موقف الوليد بن المغيرة الشهير، وشهادته المسجلة على مر التاريخ، وهو أشد أعداء الإسلام، لما سمع القرآن الكريم من الرسول صلى الله عليه وسلم، قال قولته الشهيرة ( إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته) شهادة من رجل فصيح، فهم فصاحة القرآن وقوة بلاغته، فلم يكذب وقال قولة الحق.

 وجاء التحدي صراحة لأرباب البيان وأساطين البلاغة : هل تستطيعون أن تأتوا بمثل القرآن؟ قال  تعالى ( قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) الآية (88)من سورة الإسراء.

معجزة القرآن الكريم قائمة، وباقية إلى يوم القيامة، كل يوم يكتشف المتأمل فيه لمحة أو بارقة كانت غائبة عن ذهن الكثيرين، فحروفه معجزة، وكلماته معجزة ما بين :

* إعجاز بياني.

 * وأسلوب قرآني فريد.

* ونظم قرآني، لا مثيل له.

* و إعجاز تشريعي، فيه كل ما يهم حياة البشر.

 * و إعجاز علمي، قضايا علمية لا حصر أخبر عنها القرآن الكريم، كالقول بوحدة الكون.

   * وإعجاز غيبيي، وهي إخبار القرآن عن أحداث مستقبلية كهزيمة الروم وانتصارهم بعد ذلك ( راجع سورة الروم).

مراجع

  • قاموس المعاني.
  • تفسير الجلالين.
  • راغب السرجاني – الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم.
  • مصطفى سالم – مباحث في إعجاز القرآن- 2005

اترك رد